تعطيل الحركة اليسارية، أي حركة يسارية، لصالح من؟ ولأجل ماذا؟


محمد الحنفي
الاثنين 29 فبراير 2016









إن الحركة اليسارية، أي حركة يسارية، وجدت لتتحرك، لتبني الإطار التنظيمي على أسس ايديولوجية، وتنظيمية، وسياسية، حتى يتفرغ للارتباط بالتنظيمات الجماهيرية، كقنوات تنظيمية، للارتباط المباشر بالجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة، من أجل تعبئتها في أفق خوضها للنضالات المطلبية، والجماهيرية، والسياسية، الهادفة إلى تحسين الأوضاع المادية، والمعنوية، والعمل على تغيير تلك الأوضاع، بما يخدم مصالح الجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة، اقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا.

وإذا كانت الغاية من وجود اليسار في الأصل، هي العمل إلى جانب الجماهير الشعبية الكادحة، ومعها، وقيادتها في أفق التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، فإن اشتغال قيادة اليسار المحلية، والإقليمية، والجهوية، والوطنية، على أمور لا علاقة لها با السعي إلى تحقيق التحرير، والديمقراطية، والاشتراكية، لا يمكن أن يقود إلا إلى إضعاف اليسار القائم، وتفككه، وتلاشيه، كما يحصل في العديد من الدول، وكما يحصل عندنا في المغرب، وفي جميع الفروع، والأقاليم، والجهات، وعلى المستوى الوطني.

فلماذا نجد أن أحزاب اليسار تتآكل محليا، وإقليميا، وجهويا، ووطنيا؟

ولماذا هذا التفتيت، والتفكيك، الذي يعرفه اليسار على جميع المستويات؟

أليس الأمر متعلقا بالقيادة، وبطبيعة أفرادها؟

ألا يتعلق بالانحراف الذي تعرفه أيديولوجية اليسار؟

ألا نعتبر أن عدم الانسجام القائم بين الأيديولوجية، والتصور التنظيمي، هو السبب في التفتيت، والتفكيك؟

ألا نعتبر أن ما يمارسه بعض الأفراد، المحسوبين على قيادات اليسار، مما لا علاقة له بأيديولوجية اليسار، ولا بالتصور التنظيمي لليسار، ولا بمواقفه السياسية، هو الذي يقود إلى تعطيل حركة اليسار؟

أليس عدم الأخذ بمبدإ المركزية الديمقراطية، هو الذي يجعل اليسار يفقد بوصلة التوجيه الأيديولوجي، والتنظيمي، والسياسي؟

ألا يؤثر ذلك على فعل اليسار في الواقع المستهدف بعمل اليسار؟

أليس تعطيل مبادئ النقد، والنقد الذاتي، والمحاسبة الفردية، والجماعية، وخضوع الأقلية لإرادة الأغلبية، هو الذي يؤدي إلى تعطيل دور اليسار، وعدم تقدمه، وتطوره؟

أليس عدم فسح المجال أمام تطور اليسار هو الذي يعرقل مسار عمله؟

أليس المفهوم المغلوط لليسار، ولأيديولوجيته، ولبرنامجه، وللأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، هو الذي يؤدي إلى إضعاف اليسار وتشرذمه؟

ما العمل من أجل إعادة الاعتبار إلى اليسار في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة؟

ما العمل من أجل إنضاج شروط اندماج أحزاب اليسار، في افق إيجاد حزب اشتراكي كبير، وقادر على مواجهة الأصولية، وعلى استيعاب أفواج المثقفين؟

ما العمل من أجل جعل المجتمع المغربي، بكل فئاته، متفاعلا مع أطروحات اليسار، التي لا تكون إلا علمية؟

ما العمل من أجل إعادة الاعتبار لإنسانية اليسار؟

هل يمكن لليسار أن يعرف تطورا في اتجاه مواجهة ازدهار الأصولية، وهيمتنها على الجماهير الشعبية الكادحة؟

وهل يمكن لليسار في ظل الضعف، والتشرذم، أن يسعى إلى فرض الفصل بين الدين، والسياسة؟

هل يمكن سعي اليسار إلى فرض تجريم قيام تنظيمات على أساس ديني؟

ألا يعتبر التواصل مع الأحزاب، والتوجهات المؤدلجة للدين الإسلامي، تشويشا على أحزاب اليسار، في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة؟


ألا يعتبر القطع مع الأحزاب، والتوجهات المؤدلجة للدين الإسلامي، شروعا في خوض الصراع ضد الأصولية، وما يتفرع عنها من أحزاب؟

أليس خوض الصراع ضد الأصولية، تمهيدا لصراع اليسار، من أجل فصل الدين عن السياسة، ومن أجل استعادة مكانة اليسار، التي لا تتحقق إلا بعلمنة المجتمع؟




تقوية وتفعيل أحزاب اليسار

فتآكل أحزاب اليسار، يرجع إلى سيادة عوامل الضعف، والتشرذم، التي تحكم الواقع الموضوعي، الذي تتحرك فيه الأحزاب، والتوجهات اليسارية المختلفة، وعوامل التفرقة الأيديولوجية، والتنظيمية، والسياسية، التي تنخر كيان الأحزاب من الداخل، حيث تقود إلى قيام صراع فيما بين المجموعات المتصارعة داخل كل توجه، أو حزب يساري. وهو ما يعني: أن اليسار يعرف وضعا مزريا، يحتاج إلى الوقوف عليه، والعمل على اتضاح شروط التجاوز، التي تقتضي قيام تجمع، أو تحالف، أو فيدرالية، تشمل كل، أو جل الأحزاب، والتوجهات اليسارية الفعلية، وليس المنسوبة ظلما إلى اليسار، أو المتمخزنة بشكل، أو بآخر.

فقيام عمل مشترك بين الأحزاب، والتوجهات اليسارية المناضلة، على أساس برنامج حد أدنى، واتضاح شروط قيام تنظيم أرقى، في أفق إنضاج شروط الاندماج، إلى أسس أيديولوجية، وتنظيمية، وسياسية مشتركة، بهدف العمل على بناء تنظيم يساري قوي، يستطيع اكتساح مجال التراب المغربي، في أفق بث الوعي الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي، بين جميع أفراد الشعب المغربي، في افق إقدام الجماهير الشعبية الكادحة، على خوض الصراع، لفرض الاستجابة إلى مطالبها، سواء كان ذلك بطريقة مباشرة، أو عن طريق التنظيمات الجماهيرية، التي تقود كل واحدة منها شكلا من أشكال الصراع، الذي يفرض الاستجابة إلى مطالب محددة، وصولا إلى الالتحاق بالحزب اليساري الكبير، الذي يحرص على تغيير الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، لصالح الجماهير الشعبية الكادحة، وعلى يدها، وصولا إلى إدراك أهمية اندماج اليسار في حركة يسارية واحدة أولا، وإلى أهمية ارتباط اليسار بالجماهير الشعبية الكادحة، المالكة لوعيها بأوضاعها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والمنخرطة في النضالات المطلبية، انطلاقا من ذلك الوعي، الذي يتطور باستمرار، انطلاقا من تطور الواقع العيني المتغير باستمرار، وانطلاقا، كذلك، من الفعل اليومي لحزب اليسار، ولمختلف المنظمات الجماهيرية، وللجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة.

والتفتت، والتفكيك، الذي يعرفه السار باستمرار، يرجع إلى تعدد المرجعيات الأيديولوجية المختلفة، التي تقيم سدودا منيعة، تحول دون قيام تواصل بين مختلف اطراف اليسار، مما يجعل تجاوز هذا التفكك، والتفكيك، من الصعوبة بمكان.

وهذا الوضع المزري، والمتردي، الذي يعرفه اليسار بتوجهاته المختلفة، يحتاج إلى فتح نقاش واسع بين مختلف الأحزاب، والتوجهات اليسارية، وعلى جميع المستويات التنظيمية، وانطلاقا من اختلاف المنطلقات الأيديولوجية، والتصورات التنظيمية، والمواقف السياسية، في أفق انبثاق قواسم مشتركة بين مختلف الأطراف اليسارية، في الأيديولوجية، وفي التصور التنظيمي، وفي المواقف السياسية، سعيا إلى إيجاد أرضية مشتركة، يمكن أن تعتمد في قيام تنسيق، أو تحالف، أو فيدرالية، بين مختلف أطراف اليسار، من أجل القيام بتفعيل الأرضية المشتركة، في أفق قيام نضال مشترك، بين مختلف الأطراف اليسارية، في أفق تجاوز التفتيت، والتفكيك، والعمل على بناء تنظيم يساري قوي، يزداد توطيدا أيديولوجيا، وتنظيميا، وسياسيا. وللوصول إلى ذلك، لا بد من:

1) الحرص على التفاعل الأيديولوجي بين مختلف التنظيمات اليسارية، ودون وجود معيقات، تحول دون ذلك، حتى يتم استيعاب أوجه الالتقاء، التي يجب أن تعمل أحزاب اليسار على التأكيد عليها، وأوجه الاختلاف، التي يجب الاستمرار في إخضاعها للنقاش، في أفق توسع قاعدة الالتقاء، والتقليص من دائرة الاختلاف الأيديولوجي، بين مختلف أطراف اليسار.

2) الحرص على إخضاع التصورات التنظيمية المختلفة، والقائمة على أساس اختلاف المنطلقات الأيديولوجية، وصولا إلى انفراز قواسم مشتركة، يمكن اعتمادها في إقامة تنظيم مشترك. وهذه القواسم، يجب إخضاعها للنقاش المستمر، من أجل تعميق الاقتناع من الجميع، مع الاستمرار في إخضاع نقط الاختلاف، المتعلقة بالتصورات التنظيمية، التي تسعى إلى التفريق بين الأحزاب، والتوجهات اليسارية، من أجل تجاوزها، في أفق العمل على ترسيخ القواسم المشتركة بين الجميع.

3) العمل على إخضاع التصورات السياسية، المترتبة على التصورات التنظيمية المختلفة، القائمة على أساس اختلاف المنطلقات الأيديولوجية، في أفق إيجاد قواسم مشتركة، تساهم، بشكل كبير، في التقارب بين التنظيمات اليسارية، مع تعميق النقاش حولها، حتى تزداد وضوحا، في صفوف المنتمين إلى التنظيمات اليسارية المختلفة، مع الاستمرار في إخضاع نقط الاختلاف السياسية، إلى النقاش المشترك، من أجل التجاوز، في أفق إيجاد تنسيق، أو تحالف، أو فيدرالية، بين مختلف المكونات اليسارية، في أفق الاندماج المنشود، سعيا إلى بناء حزب يساري كبير، ومنسجم، ومناضل.

مقالات ذات صلة